نهلة الشهال
مما لا شك فيه ان ثمة تآمراً أميركياً- إسرائيلياً على سورية. وأنه خطير وسيكون مدمرا لو قيض له النجاح. لكن وجود التآمر يستدعي طرح المسألة الوطنية في البلاد وفي مجمل المنطقة على البحث، وهي مرتبطة بغيرها من المسائل، وهذا أيضا بديهي، وهي تتطلب الرضا بألا تبقى الأمور على ما هي عليه، وهذا التغيير بديهي هو الآخر. ومما لا شك فيه ان ثمة منخرطين في هذا التآمر، لكن بالمقارنة، فعدد المعارضين السوريين الوطنيين والمعادين لمخططات التآمر تلك أكبر بكثير، وصدقيتهم ليست موضع شك بخلاف الأوائل، وهم سيغلّبون بالتأكيد، ولو بصورة آنية، اعتبارات الدفاع عن البلاد على سائر مطالبهم يوم يتطلب الموقف ذلك…على أن تتاح لهم الفرصة، وأول شروطها ألا يكونوا في السجون وفي الملاحقة. بعد ذلك يمكن السجال حول سائر الشروط
في هذا المعنى فإن واقعة ألا يطلق سراح ميشيل كيلو حتى يتمكن من المشاركة في تشييع والدته إلى مثواها الأخير كانت لتبدو أمرا عاديا… لولا أن الرجل بريء ومعتقل من غير وجه حق. ذلك هو بالتأكيد ما حمل الناس على افتراض إمكان أن تترك له فرصة من هذا القبيل. فالمعتقلون عادة لا يخرجون من سجونهم في المناسبات الشخصية المهمة، سواء كانت أفراحا أو أتراحا. ما خيل لنا انه مزاح، سمج ولا شك، وإنما مزاح ينتهي بعد قليل، تحول إلى كابوس ثقيل لا يكف عن التضخم.
منذ أيام، أطلقت تهمة جديدة بحق ميشيل كيلو، رنانة هذه المرة بخلاف سابقاتها التي بقيت سورياليات، عصيات على التفكيك والفهم. في السابق، كانت توجه إلى المعتقلين الذين من نوع الرجل تهمة «المساس بسمعة البلاد»، وجمل أخرى من هذا القبيل، كلها وللحق مبهمة جدا.
هل ما يقوم به هؤلاء أو يكتبونه «يمس بسمعة البلاد» أكثر من مسلسلات تلفزيونية سورية ومسرحيات شهيرة، تعرض في قلب البلاد وكلها مجازة تماما؟ ثم ما هي محددات سمعة البلاد، وكيف يكون أي تصرف مساً بها أو على العكس من ذلك صوناً لها، ومن يقرر ووفق أي مرجع؟ أسئلة بديهية ومبدئية، ولأنها كذلك، فهي تحوز على صفة مهمة مطلوبة بشدة بالنظر إلى الأوضاع التي نعيش، أي إثارة المرتكزات الضرورية لإعادة تأسيس المشروع الوطني في المنطقة العربية وفي كل بلد من بلدانها. وهي إذ تطرح نفسها، تناضل ليس فحسب ضد الركام الهائل من الفساد والاعتباط القائمين بتلازم أكيد في ما بينهما، وإنما أيضا ضد الفكر السائد الذي بات يعتبر المبدئية مثلا نعتاً مهذباً يشير إلى السذاجة.
التهمة الجديدة بحق ميشيل كيلو تفتقر ببساطة الى أي خيال أو جدّة، وهي تقول انه تلقى أموالا ليقول ما يقول ويفعل ما يفعل. وإن كانت مثل هذه التهمة لا تستحق عناء دحضها، إلا أنها تكشف هي الأخرى ذلك الشعور القوي القائم، هذه المرة داخل السلطة السورية، ببراءة الرجل وبأن التهم التي أوقف من أجلها واحتجز كل هذه الأشهر ليست مقنعة.
كذلك تتواتر الأخبار عن تردي صحة الدكتور عارف دليلة الذي كان في يوم من الأيام قبيل الغضب عليه، عميداً لكلية الاقتصاد في جامعة دمشق، والذي وجهت إليه تلك التهمة إياها عن المساس بسمعة البلاد وما يشبه ذلك، ومضى عليه في الاعتقال خمس سنوات ويفترض به أن يمضي خمساً أخرى لإتمام مدة محكوميته. ومثل ميشيل كيلو وعارف دليلة، هناك العشرات من المثقفين الوطنيين الذين يقبعون في السجون بتهم لا تقوى على الدفاع عن نفسها أمام أي امتحان.
وفي انتكاسة مقلقة للغاية، تعرض مؤخرا المخرج السينمائي عمر اميرلاي للمنع من السفر ولاستجواب لا يقل سوريالية عن تلك التهم إياها. وهو وصف ذلك في بيان صحافي أراده مطمئنا ومقصيا للإشاعات. فقد قضى أياما متوالية يناقش مع ضابط امن تفاصيل كل لقطة من لقطات أفلامه، وهي قديمة وسبق حصولها على إجازة الرقابة، وسبق عرضها. فهل يمكن للقانون أن يغير رأيه بمفعول رجعي؟ ومثل عمر أميرلاي، هناك العشرات من المثقفين الذين تعرضوا في الآونة الأخيرة للمضايقة التي تهددهم بالوقوع في الاعتقال في أي لحظة.
والحق أن مثل هذه الممارسات لم تنفع سلطة يوما ولا في أي مكان، ولم تحل دون نشوء معارضة أو استمرارها في الوجود. وهذا أمر معروف جيدا من الجميع، سلطة ومعارضات. إلا انه، على رغم ذلك، فللممارسة وظائف تتجاوز من بعيد الفعل الكيدي، كما أن لها نتائج تتجاوز بالتأكيد مقاصد أصحابها.
وأولى تلك الوظائف نجاح السلطات في تحويل جهد المثقفين والمناضلين إلى التركيز التام على مجابهة القمع الذي يقع عليهم، سواء لتدارك مفاعيله قدر الامكان أو لمقارعة نتائجه بعد وقوعه. وتصبح غايتهم ودائرة تحركهم تلك المسألة المتعلقة بسلامتهم أو بالتنديد بما يحصل لهم، وهو بالطبع مشروع تماما، لكنه يتم على حساب تطويرهم لرؤيتهم وتحليلاتهم ومقترحاتهم المتعلقة بالقضايا الجوهرية التي تعاني منها مجتمعاتهم.
ثمة برامج لتكتلات تقوم فحسب على التوافق على الخلاص من آليات القمع. وتبدو الأنظمة سعيدة بنجاحها في هذا الإشغال، وفي تخلصها من تبلور خطابات ومــــن قيام قــــوى تنتقد وتقـــترح وتضغط، إلى آخر خصائص الانخراط في العمل العام. تبدو سعيدة في انفرادها بتسيير دفة الأمور كما يحلو لها وترتئي، لكنها إذ تفعل تعطل المجتمع بمجمله وتوهن طاقاته على المبادرة. وهذا ما يمكن تسميته الاختناق في الموقف. فلا المعارضة تقـــوم بدور بناء وتطويري ولا الحكام يحمون ما يعتقدون أنهم يحمون، أي سلطتهم ناهيك بالمشاريع التي ينوون، أو يدعون أنهم ينوون، تطبيقها في البلاد. ويصبح الأمر اشد فتكا في ظروف الاستهداف والأزمات الكبرى، إذ تحتاج هذه الظروف إلى حيوية المجتمع وقدرته على التدخل لحماية نفسه والبلاد. ولن يكف المثال العراقي عن مخاطبتنا، حيث ارتضى العراقيون بمرور القوات الأميركية من أمامهم، ليس حبا بها بالتأكيد، وليس اقتـــناعا بأنها جاءت تخلصهم من صدام حسين، وإنما لأنهم حين وقع الأمر عليهم كانوا في موقف أعجز من القدرة على مقاومته حتى لو أرادوا ذلك، ولأن قلوبهم كانت قد امتلأت حقدا على السلطة الجاثمة على أنفاسهم. أما خيار اتعاظ المجتمعات الأخرى، وحدها من دون السلطات، من المثال العراقي فسوريالي هو الآخر، حيث يطلب من المجتمعات الاستكانة حتى لا يلحق بها ما لحق بالعراق من خراب، ولا تسأل السلطات نفسها عن حصتها من الدرس، علما أنها هي مفتاحه.