نافذة من سجن صيدنايا العسكري
بسام سفر
عندما كان الإنسان السوري يزرب عرقاً في شهري يوليو وأغسطس اللهاب كما يطلق عليه السوريون في ثمانينيات القرن الماضي، كنت أتدثر بمعطفي الطويل من البرد في الجناح الجيم من منتجع صيدنايا العسكري، القابع علي تله قريبة جداً من الموقع العسكري للجبهة الشعبية القيادة العامة الذي استهدفته طائرات شارون العسكرية في العام 2003 قرب دمشق ، وكنت أسير يومياً بمواجهة نوافذ صغيرة تطل علي أفق رحب أعتلي أحياناً قليلة شوفاجات الممر الأمامي لهذا الجناح لرؤية بعض الأفق من ضيق البصر الذي يتحكم بعيوننا، وأجمل لحظات سرقة أفق البصر كانت هي ساعات المساء قبيل الغروب تماماً، لكن في جناحنا كان هناك زميل يعشق سرقة النظر إلي الأفق البعيد صباحاً، ظهراً، ومساءً هذا السارق هو فاتح جاموس وكما يطلق عليه الزملاء أبو علي ، ومن أمتع ما يسرقه هو رؤية أهلينا وهم يدخلون لزيارتنا حيث كان يخبرنا قبل الرقباء من لديه زيارة، وكنت أحسده علي قوة قلبه لرؤية أهلينا وهم يجرجرون أغراض الزيارة إلينا ونحن قابعون في ذاك الجحيم بالمنتجع الصيفي.
إن سعة الأفق التي كان يسعي إليها فاتح لم تجده نفعاً في زمان الرئيس الراحل حافظ الأسد حيث أفرج عنه قبل وفاته بأشهر قليلة، وسعة الأفق التي سعي إليها في زمن الرئيس بشار الأسد لم تحمه من الخطوط الحمراء التي وضعتها الأجهزة الأمنية في بلدنا الحبيب سوريا لأن أبو علي فكر في حماية بلده وأبنائها من الحرب الأهلية التي بدأت نارها تدب في القامشلي، ودير الزور في الشمال السوري.. مروراً بما حدث في مصياف، والقدموس وصولاً إلي ما حدث منذ سنوات قليلة في محافظة السويداء ، عبر اللقاء المباشر مع رموز حزب الإخوان المسلمين في أووربا لحماية سوريا وأبنائها من أتون نار حرب أهلية قد تشتعل نارها في أي لحظة، ومنع هذا الحزب وغيره من الأحزاب السورية من الاستقواء بأمريكا وحلفائها من الأحزاب السورية واللبنانية، لأن كل المؤشرات تدلل علي ثقل واتساع حركة التيار الديني في الشارع السوري، وخير دليل علي ذلك فتح النظام الأبواب أمام المتدينين في الشارع السوري للنشاط في الجوامع خارج أوقات الصلاة، وعدم منع هؤلاء من حرق السفارة الدانمركية بدمشق، ودعمه المباشر للمؤتمرات والجمعيات التي تتشكل بقيادة رجال دين ومراكز دينية معتدلة ومتزنة مثل الدكتور صلاح كفتارو، محمد حبش، ووهبي الزحيلي للعب أدوار معتدلة ومتزنة، ودعمه المنقطع النظير لحركة حماس في الضفة الغربية وقطاع غزة، خصيصاً بعد فوزها بالانتخابات التشريعية الفلسطينية، وتشكيل حكومتها وكأن حماس حزب البعث العربي الاشتراكي وليست حزب الإخوان المسلمين في فلسطين، إن هذه التقديرات التي يستشعرها النظام هي ذات التقديرات التي استشعرها فاتح جاموس وهي التي دفعته إلي لقاء رموز من حزب الإخوان المسلمين في محاولة لضبط إيقاع حركة هذا الحزب، مع إيقاع إعلان دمشق وليس إيقاع جبهة الخلاص الوطني ، وما يمثله خدام في السياسة السورية منذ الحركة التصحيحية.
إذن فما فعله فاتح مجرد رؤية سياسية لآلية فتح نافذة الديمقراطية التي مازال النظام يغلقها في وجه أبناء بلده، وحتي لا يجبر كل منا في لحظة فلتان أمني، اجتماعي، عسكري، وسياسي من العودة راكضاً إلي طائفته لكي تحميه من فئة من أبناء بلده، وإنما لكي يجلس أبناء البلد علي طاولة حوار سياسي لصنع مستقبل أفضل لسوريا التي نحب، فهل يعاقب من يفكر بآلية إدارة حوار سياسي حول مستقبل البلد، وأبناء البلد بالسجن بدل أن توفر له أماكن إدارة هذا الحوار الوطني بين الأحزاب السياسية السورية المحظورة النشاط في بلدها، وبدل من استعجال قانون الأحزاب العتيد الذي بشر به الرئيس بشار الأسد أبناء البلد وأحزابه يوضع بالسجن من هو حريص علي بلده والمفسدين في بلدنا يسرحون ويمرحون.
أكتب هذه الكلمات ولا أعرف أين يكون فاتح جاموس الآن هل يقف علي نافذته القديمة الجديدة بين صيدنايا وعدرا ويحاول أن يوسع أفقه وأفق الشعب السوري المحاصر بين نارين: نار نظامه القابض علي كل ما في البلد.. ونار الداعمين إلي التغيير بقوة العامل الخارجي، وكأن الله قد حكم علي بلدنا بخيارين الحل الأمني والسجون أو الاحتلال الأمريكي .. ألا يوجد أمام شعبنا وبلدنا غير هذين الخيارين؟ أعتقد أن الخيار الثالث هو خيار الديمقراطية والتغيير الديمقراطي الذي يكفل سبل الحياة إلي أبناء هذا البلد من الرئيس بشار الأسد حتي أصغر طفل سوري.
*كاتب وصحفي سوري
"الراية"
يوليو 6, 2008 عند 12:57 م
اسأل الله أن يطهر بلدي من الأنجاس البعثيين .