القضية الكردية إلى أين؟

مقدمات ضرورية: من جهتي وكقومي عربي أعتقد أن الكتابة في المسألة الكردية بدون موقف تأسيسي، مبدئي وقيمي يعتبر عملاً مبتوراً، إن أي تناول سريع أو تكتيكي أو تفصيلي صغير, أو أي تناول يستهدف أولاً نقد الحركة الكردية بدون موقف مبدئي وأخلاقي واضح تجاهها, سيكون أمراً خاطئاً وسيساهم في حرف المسألة والتشويش عليها. من هنا ستكون نقطة الانطلاق بالنسبة لي شخصياً محاولاً في نفس الوقت مراجعة وتجديد موقفنا التأسيسي والاستراتيجي في حزب العمل الشيوعي, مؤكداً في نفس الوقت أن ذلك بغالبيته سيأتي على هيئة ملاحظات مكثفة وتقريرية عموماً .بسبب الشرط المحيط بهذه المادة


ولأتمكن من التقدم إلى الأمر ببعض الطاقة على جرأة القول الأخلاقي الإنساني , ثم الفكري والسياسي، ولأبدو على شيء من الموضوعية في العام..و كذلك الواقعية السياسية(أي غير طوباوي وغير حالم). كل ذلك في ميدان يعتبر اللعب داخلة شيئاً حساساً ومعقداً، حارقاً للأصابع واللسان، مسبباً للمتاعب والأذى والاتهامات من كل جهة, خاصة أننا في حزب العمل الشيوعي قد وجهت إلينا أثناء محاكماتنا أمام محكمة أمن الدولة العليا في سورية, التهمة المزورة والباطلة بتمزيق تراب الوطن ذلك بسبب موقفنا من مسألة الأقليات عموماً والمسألة الكردية منها على وجه الخصوص, ودخلت تلك التهمة المزورة على خط إيجاد مبررات للعقوبات القاسية والاستثنائية التي وقعت علينا.. بحيث يبدو الأمر أحياناً وكأننا قد اكتوينا من لهيب " حليب" المسألة الكردية مما قد يدفع بنا إلى نفخ لبنها، ثم التردد والانكفاء إلى الموقف الانتهازي باسم الواقعية…وأولويات المسائل بأهميتها لنا. من منظور لن يكون في هذه الحالة إلا منظور التعصب القومي، لكل ذلك وبعض أسباب أخرى اسمحوا لي أولاً أن أعبر عن ذاتي العربية وعن وعيي القومي العربي، وعن هموم المسألة القومية العربية, بذلك سيوضع الأمر في ميدان المقارنات الأكثر عدالة, كما سيعطيني وربما كل قومي عربي غير متعصب وإنساني المزيد من الطاقة على تجديد الجرأة ووضع المسائل المتشابهة على نفس السوية وقياسها بنفس المعايير, مع اعترافي المسبق أن المشاعر القومية , الوطنية (بترجمة أخرى) هي أكثر المشاعر انشداداً إلى التعصب, وهذا ليس مستغرباً أن يبقى آخر ما يمكن للمرء أن يتخلى عنه بصورته المتعصبة..وليس مستغرباً أن تترك آثارها حتى في ساحة اللاشعور الجمعي والفردي بعمق خطير.
إن ما تحقق في المسألة القومية العربية لا يعتبر شيئاً كبيراً وحاسماً حتى الآن. فلا تزال المهمات الأكثر جوهرية موضوعة على أولويات برنامج العمل القومي العربي. إن مهمة أولية واحدة لم تكتمل بعد, مهمة تحرير كامل تراب الوطن من الاحتلال الخارجي, بل دخلت تعقيدات خاصة ونوعية, إذ غطت نوعية الاحتلالات المتبقية بشكل خاص الاحتلال الصهيوني لفلسطين وما خلقه من قضية فلسطينية قومية..ثم الاحتلالات الصهيونية الأخرى .. كذلك بدرجة مختلفة جزئياً قضية لواء الإسكندرون والاحتلال التركي, غطت على التراكم الجغرافي المتحرر في إطار قطري انعزالي ممزق,تعززه سلطات محلية انفصالية, هكذا لا تزال مهمة استكمال تحرير بقية أرض الوطن قائمة وبشكل خاص ما ترتبه في إطار المسألة الفلسطينية.
كما لا تزال مهمة الوحدة العربية وبناء الأمة على شكل دولة مركزية ـ وليس في إطار الكمون أو الإمكانية التاريخية فحسب ـ لا تزال مهمة جوهرية.
وبحكم الأهمية الخاصة والمركزية للمسألة الفلسطينية على الصعيد القومي العربي ودورها الكبير في تغذية شروط تطوير الوعي المتعلق به من خلال عملية الصراع مع العدو الصهيوني العسكري، الاحتلالي والاستيطاني … عدو من طراز خاص يتلقى دعماً غير محدد من أطراف خارجية, كذلك بحكم أهميتها العالمية ومستوى الاستقطاب الذي تخلقه على كل صعيد فإنني سأسوق بعض القناعات الأولية هنا.. فذلك مهم في إطار المقدمات التي أعرضها.
قامت المشكلة الفلسطينية بسبب مؤامرة دولية رأسمالية وصهيونية مذهلة بجرأتها اللاأخلاقية ووقاحتها ـ ومستمرة بسماتها هذه حتى الآن، مع ذلك وباعتماد أكثر الوثائق والمواقف شرفاً في إطار تلك المؤامرة وعلى هوامشها, فإن الأمر يندرج بصفته احتلالاًللأرض وطرداً لسكانها وتشريدهم, والإمعان في المزيد من الاحتلال والاستيطان الصهيوني ـ هكذا سمحت الشرعة الدولية بوجهها الأخلاقي للشعب الفلسطيني بالمقاومة بكل الوسائل المتاحة لتحرير أرضه. كذلك ينطبق الأمر.. أو المبدأ نفسه على أية بقعة أرض عربية أخرى يحتلها العدو الصهيوني ( الجولان مثلاً ) …أو أي طرف آخر.
إن أية مصالحة تبدو صعبة إن لم تكن شبه مستحيلة مع مثل ذلك العدو بل أية إمكانية لوقف الصراع الفلسطيني العربي ـ والصهيوني تبدو شبه مستحيلة بدون اعتماد أسس متساوية في الحقوق والواجبات على الأرض الفلسطينية .. مع حق الفلسطينيين المطلق بتقرير مصيرهم بأنفسهم بما فيه حق العودة وقيام دولتهم بالمحتوى والشكل الذي يريدونه أو يتفقون عليه.
أعتقد أنه من الصعوبة بمكان على أي شخص لديه حد معقول من القيم الحضارية والإنسانية المعاصرة, الشرف, والنظافة الشخصية..وأستثني هنا القيم والدوافع الوطنية والقومية في الصراع كي لا أتهم بالتعصب أو استخدام الخطاب القديم نفسه..إلى آخر التهم.. أستثني ذلك مركزاً على القيم الإنسانية والحضارية والأخلاق … أي شخص لديه مثل تلك القيم لا يستطيع أن يرضى بالوضع الفلسطيني ولا يتحمله , كما لا يستطيع القبول بالحالة الصهيونية أو التصالح معها ما دامت محافظة على بنيتها وطابعها ووجودها القائم على الأرض الفلسطينية والعربية.
مقارنات, معايير واحدة:
غدا بإمكاني أن أسمح لنفسي الآن إجراء بعض المقارنات وطرح المعايير الواحدة للقضايا المتشابهة.
لكن لماذا الاهتمام بالموضوع الكردي على هذا المستوى؟ هل هو رغبة في حب التميز, وحب الظهور على الرغم من حساسية الموضوع أو بسبب حساسيته أم هو موقف صادق في نصرة قضية تعرض شعبها للظلم والقهر القوميين ولا يزال؟
أم هو موقف استباقي تاريخي من أبناء قومية حكامها يعرضون الشعب الكردي للقمع.. استباق يبتغي نسج علاقات وقائية للمستقبل بحكم توقع انفجار للمسألة الكردية على نطاق واسع؟ أم هو موقف أخلاقي ومبدئي, إنساني معاصر, يجب تعميقه.؟
أعتقد أساساً أنه من المستحيل أن نقنع الآخرين بعدالة قضايانا القومية من دون الانسجام التام في الموقف المبدئي والممارسة, من دون النظر إلى القضايا الواحدة بمنظار واحد. ينطبق هذا على عدالة قضيتنا القومية بكل مهماتها وبشكل خاص القضية الفلسطينية , كما ينطبق على القضية الكردية.
وأعتقد أن حكوماتنا العربية المتعصبة حفرت وتحفر مشاعر التعصب القومي المتبادلة بين الأمتين والشعبين بصورة فظة وعميقة, وكل ردود الفعل محتملة وخاصة أن المنطقة مقدمة على أحداث خطيرة أولها تسوية الوضع العراقي من قبل أمريكا. إن الإمعان في التعصب القومي والظلم القومي للأمة والشعب الكردي سيسمح للقوى الخارجية باستغلال الحالة الكردية على مداها, مما سيترك آثاراً تدميرية جديدة على الوطن العربي.من المفترض إذن أن يدفع هذا بالنخبة السياسية والمثقفة والأنظمة الأكثر عقلانية وتفهماً لمصالحها إلى بذل جهد إضافي لتدارك الأمر بموقف أخلاقي ومبدئي صادق.. أو موقف عقلاني . بعيد عن الازدواجية والنفاق تجاه القضية الكردية برمتها.
كما اعتقد أنه شيء صحيح …أخلاقي وجميل أن يكون المرء نصيراً لقضية تتعرض للقهر والظلم, نصيراً لأمة وشعب كانا على مدى تاريخي هائل في موقع الدعم لقضايانا القومية والوطنية… كانا على مستوى عميق من التعايش الراقي مع أمتنا وشعبنا..بذلك المعنى أنا نصير للقضية الكردية.. ألست شخصاً عربياً في موقع الصراع مع العدو الصهيوني من أجل القضية الفلسطينية وبقية الأراضي المحتلة…من أجل مصداقية موقفي أنا في موقع النصير للقضية الكردية فالتشابه كبير بين قضيتنا القومية بكل جوانبها الرئيسية وبين القضية الكردية لكن ما هو وجه المقارنة والشبه بين بالقضيتين؟ما هو منظوري للقضية القومية الكردية؟
إذا أردنا تجاوز موقفنا النظري والفكري القديم في حزب العمل الشيوعي فيما يتعلق بالمسألة القومية والأمة, الذي اعتمدنا به مفهوماً ستاليناً جامداً، إلى موقف دينامي يعتمد شروط وجود الأمة والقومية الناجزة والمجموعات القومية, أكثر حيوية وتفاعلاً مع حياة الصراع السياسي, فإنه يمكن القول بأن وضع الشعب الكردي يمثل أنه, ليست أقل قدراً , أقل تحققاً في شروط وجودها من شروط وجود الأمة العربية.. إن وجود روابط عصبية متخلفة في وسط الشعب الكردي خلقت وتخلق ولاءات بعيدة عن الوعي القومي المركزي, لم يمنع أبداً قيام حركات ومحطات نضال قومي كردي, كان آخرها ما حققه العمل الذي قاده حزب العمال الكردستاني في تركيا, كما يجب القول أن قضيتنا القومية وشروط وجود أمتنا… تتعايش مع عصبيات بدورها الأخرى متخلفة ذوات دور نبذي طارد للوعي القومي العربي.. ليس هذا فحسب بل هناك تفاوتات كبيرة وحادة خلقت حالات وعي إقليمي قومي , خلقت ما يمكن التعبير عنه بالمجموعات القومية العربية المتفاوتة بوعيها ومستوى اقترابها أو ابتعادها عن المجموعة القومية الأكثر رقياً ووعياً , كما تمثل حالة وجود وطموح تطور الأمة, بمعنى آخر.. أن هناك تعقيدات ذاتية ليست أبداً أقل شأناً وأهمية من تعقيدات القضية الكردية مع ذلك نعتبر أن هناك أمة عربية ونطالب بالوحدة العربية وتحرير كامل التراب..على ذلك الأساس لا أكثر ولا أقل هناك أمة كردية وشعب كردي على الرغم من كل سويات التخلف والعصبيات القديمة وحالات استغلال ذلك في خلق صراعات كردية داخلية لصالح أطراف خارجية.
ـ الأمة الكردية والشعب الكردي مقسمان على أربع دول في المنطقة هي تركيا والعراق، إيران وسورية, مرتبة بحسب أهمية وفعالية عدد السكان في كل دولة … والشعب الكردي ليس حالة عابرة أو استيطانية مجلوبة, بل حالة أصلية من حيث وجوده الجغرافي في هذه المنطقة الجبلية الشاسعة التي لا يزال الأكراد يشكلون النسبة الحاسمة فيها على الرغم من كل عمليات اللعب السكاني.كالتهجير القسري والتوطين البديل. بذلك المعنى الأرض الكردستانية محتلة والمهمات المطروحة أمام النضال القومي الكردي هي من حيث الجوهر لأن هناك مهمات تفصيلية عديدة ثقافية وسياسية وغيرها .. لسنا بصددها.
أولاً :
تحرير كردستان. لسان حال الأمة الكردية.. الشعب الكردي وقواه القومية يقول لشعوب المنطقة لسلطاتها وحكوماتها وقواها السياسية الأخرى.. ألا نستحق بعد ذلك المستوى من التعايش الراقي والاندماج الاجتماعي والأقلياتي والقومي والديني الإسلامي معكم.. ألا نستحق نفس حقوقكم؟ هل من حقكم فقط تحرير أراضيكم المحتلة. ألم نكن جسداً مقاتلاًُ معكم في الدفاع عن تراب وطنكم وأرضكم..؟ لماذا هذا الموقف المنافق والمتعصب..من قبلكم، عندما يستيقظ وعينا القومي ونجد أرضنا محتلة ونطالب بتحريرها.
ثانياً:
وحدة الشعب الكردي , وبناء الأمة ـ الدولة الكردية المركزية على أرض كردستان التاريخية, أيضاً لسان حال الشعب الكردي وقواه القومية تقول: لماذا مرت وتمر عليكم موجات التطور العالمية الشاملة.القومية , والاشتراكية. والديمقراطية، والإنسانية المعاصرة دون أن تمر علينا بنفس المستوى ونفس الشروط ونفس القدرة على التفاعل … بل بحقوق أدنى, كم من شعب أو أمة في الأرض لا تزال مقسمة وأرضها ممزقة ومحتلة مثلنا؟ ألم بعد ذلك شيئاً نادراً،شعوب وقوميات عدد سكانها بعشرات الألوف تحولت إلى دول ممثلة في الأمم المتحدة, هل عدد الأكراد غير كاف وتحت الحد الحرج , وهل هناك حد حرج في عدد السكان الذين يمكن أن يشكلوا شعباً أو قومية أو أمة, هل نقيم في أرض ليست أرضنا ـ قمنا باحتلالها على الطريقة الصهيونية مثلاً .. أم هي أرض كردستان التاريخية.
ألا نمتلك لغة وثقافة وفنوناً أصيلة ومتنوعة وبناء فوقياً قومياً خاصاً أليست لدينا طموحات قومية.. ألم تتشكل في صفوفنا قيادات سياسية قومية خاضت نضالات طويلة ونحن وراءها.. نحن قسم من الشعب الكردي غير بسيط في كل مرة؟ ألم ندفع ثمناً مهماً من أجل قضيتنا القومية.. بماذا تختلف عنكم في المنطقة إلا أننا تعرضنا لمؤامرة دولية رأسمالية قسمت شعبنا وأمتنا من آجل مصالح كبرى .. بين أربع دول في المنطقة … لا بل حتى بهذا نشبه وضعكم العربي جداً .. بذلك خلقت قضيتنا الكردية وغدت معقدة, حتى لغتنا القومية لا نستطيع مثلكم التحدث بها بنفس الدرجة من الحرية والآمان ..ولا نستطيع الكتابة بها .. القانون يعاقبنا على ذلك في الكثير من مناطق كردستان .. ثقافتنا وفنوننا لا نستطيع ممارستها بحرية عداك عن تطويرها بصورة مستقلة .. وفوق كل ذلك تعاملوننا كمواطنين من الدرجة الثانية والثالثة.. مرة أتراك الجبل , وأخرى أجانب بدون جنسية , ومرة مسلمين فحسب .. ومرة آريين فارسين قدماء .. هل كتب علينا التمزق والانقسام بين أكثر من قومية ودولة.. ويطلب منا السكون والاندماج على حسابنا دائماً .. بأي منطق. بأية معايير أخلاقية وقيميه يستمر الأمر على تلك الشاكلة.
أهمية القضية الكردية:
تكتسب قضية ما أهميتها أساساً من خصوصيتها وفرض ذاتها ووجودها من خلال تلك الخصوصية على المنطقة المعينة، ومن ثم الجوار والعالم. تكتسبها من قدرتها على التفاعل والتأثير،أو من مستوى تنوع وشدة التناقضات التي تختزنها وتولدها،ومن ثم تنوع وشدة الصراعات الناجمة عنها، والوسائل المستخدمة في كل ذلك تكتسبها من مستوى التشابك مع قضايا أخرى … وأخيراً فإن أية قضية مهما امتلكت من شروط كامنة أو فعلية للتناقض والصراع والتعقيد فإنها من دون اهتمام أصحابها بها، من دون استعدادهم لدفع الثمن الذي تستحقه فإنها تضعف وتتراجع, تدخل أطواراً مختلفة وقد تستحيل أحياناً إلى قضية من مستويات أدنى.
اكتسبت القضية الكردية أهميتها لكل الأسباب السابقة ولأسباب أخرى إضافية سأوضحها:
هل يعتقد أحد أن هناك إمكانية بعدم اكتمال دورة أو موجة النهوض القومي وبقاء شعوب وأمم مهما صغرت أو كبرت ( خاصة إن كانت بعشرات الملايين) دون وصول هذه الموجات إليها واكتمالها بصورة أو بأخرى؟ هل هناك إمكانية في استمرار وجود أراض محتلة واسعة أو ضيقة لصالح دول وقوميات أخرى؟ هل هناك إمكانية في استمرار وجود شعوب وأمم ممزقة في أكثر من دولة ـ العالم وعلى الرغم من موجة العولمة يشهد موجة قومية في كل المواقع التي تأخرت فيها دورة النهوض القومي أو أعيقت, جرت محاولات لنشلها, مع سقوط الاتحاد السوفيتي انفجرت المسألة القومية التي كانت معتبرة محلولة على الأقل بالمعنى النسبي المقارن مع غيرها في مواقع أخرى. في البلقان انفجرت المسالة القومية ومن أجلها جرت دماء كثيرة في إعصار حروب أهلية وحشية, في فلسطين يعود النضال القومي والوطني في كل مرة مجدداً نفسه لاستكمال مهماته.. هذا الأمر بحد ذاته وفي القرن الحادي والعشرين يعطي للمسألة القومية الكردية أهميتها الخاصة, وهي القضية التي لم تحقق الحد الأدنى من مهماتها .. تحرير الأرض.
إن تقسيم كردستان وتقسيم الشعب والأمة الكردية بين دول أربع وثلاث قوميات ( الطورانية التركية ) والعربية والفارسية. خلقت تعقيدات كبيرة ـ صحيح أنه لعب دوراً سلبياً جداً في تطور النضال القومي وأثر على مستوى الوعي ومسألة توحيده وأخره, كما خلق تناقضات داخلية ـ على الرغم من كل ذلك بحد ذاته له وجه آخر أعطى القضية الكردية أهمية خاصة فهي تشكل أربع دول وثلاث قوميات . وبذلك تدفع بتأثيرها إلى نطاقات اكثر اتساعاً.
كردستان التاريخية غنية بمصادر الثروات الطبيعية , كان ولا يزال النفط واحداً منها، والآن جاء دور المياه, ودخل كل ذلك في الصراعات القومية والسياسية في المنطقة, استخدمت تركيا مصادر المياه في الضغط على كل من العراق وسورية وخاصة سورية من أجل مسائل سياسية عدة ارتبطت بشدة بالقضية الكردية. كما استخدم النفط في ذلك.. تلك الثروات تخلق أهمية إضافية للقضية حتى ولو شددت الصراعات من أجلها.
تأثير النضال القومي الكردي في أية ساحة من الساحات الأربع على بقية الساحات في كل مرة خاصة بتأثير النشاط القومي في كردستان العراق على كامل الشعب الكردي مع ثورة البرزاني, ، أو في مهاباد إيران. وأخيراً و خاصة في تركيا على يد حزب العمال, كل ذلك فرض أهميتها وأكدها.. كما خلق تفاعلات مختلفة بين دول المنطقة بعضها ببعض, بينها وبين دول أخرى على صعيد العالم.
صحيح أن النضال القومي الكردي المعاصر.. قد ضبط بعملية تآمر كبيرة تقودها الآن الولايات المتحدة بشكل خاص في تركيا وجملة آفاق الوضع الكردي.. بالتعاون واستخدام بعض دول المنطقة في ذلك: تركيا وإسرائيل .. حتى شمال العراق هو وضع مرتهن لشروط الصراعات الدولية ولا يمكن اعتباره تحريراً فعلياً للأرض.. أو وضعاً مستقلاً .. مع ذلك وفي حرب الخليج الأولى والثانية بصورة خاصة, تقدمت القضية الكردية بأهميتها.
تكتسب القضية الكردية أهميتها أيضاً من خلال تشابكها في أربع دول مع قضية النضال الديمقراطي والوطني في تلك البلدان, من المستحيل حل قضية النضال الديمقراطي في أي بلد منها بدون الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الحالة الكردية فيها ودون الاعتراف بتميزها, دون الاعتراف بحقوقها التاريخية والتعامل معها في نفس المستوى القيمي والمعياري لسكان القومية الغالبة (الأكثرية).
تجاوزت القضية الكردية أهميتها المحلية والشرق أوسطية إلى العالمية .. فتركيا تحت ضغط العولمة والبحث المرير عن موقع في الاتحاد الأوربي سحبت قضية حقوق الإنسان والنضال القومي الكردي معها على المستوى العالمي، وغدا تحقيق شروط الحد الأدنى لحماية الوضع الكردي وتخفيف القمع والقهر القومي التركي… غدا ضرورياً لانضمام تركيا إلى الاتحاد .. بإلاضافة إلى مسائل أخرى كإلغاء عقوبة الإعدام وغيرها.
كذلك في إطار العولمة وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي … وتحول أمريكا إلى موقع القطب القائد للعالم دخلت قضية النضال الكردي على الخط من خلال ما ادعته أمريكا بأنه قضية الإرهاب الدولي ووضع حزب (PKK) النضالي .. علاقاته وقوته العسكرية وبرنامجه.. كذلك وجوده في سورية وشمال العراق.
مرت لحظات كادت فيها القضية الكردية أن تكون تسبب حروب بين بعض دول المنطقة تركيا وسوريا.. كذلك تركيا والعراق.. وعادت التناقضات التركية اليونانية إلى الواجهة أكثر من مرة كذلك مع إيران .. بسبب تعاون هذه الدولة أو تلك مع قوى كردية ضد دولة أخرى من أجل تصفية حسابات قديمة ذات طابع قومي على العموم. والقضية تتقدم بأهميتها العالمية إلى درجة يمكننا وضعها في مصاف القضايا الأساسية الأولى من حيث الأهمية وأهميتها ستزداد مستقبلا .
الحلقة المركزية في النضال القومي الكردي. والحلقات الأخرى:
لو كانت كردستان بكاملها محتلة من قبل دولة واحدة لما كانت هناك ضرورة لمثل هذا السؤال. لكن باعتبارها مقسمة.. يصبح سياق النضال الاستراتيجي لتوحيدها.. معقداً وعلى شكل موجات تحركها بؤر مشتعلة تختلف بقوتها وتأثيرها…أما ماذا في الحلقة المركزية؟ فهي القسم المحتل من كردستان في حالة النهوض القومي الأكثر تطورا أو قدرة على التأثير وجر بقية المناطق والحلقات خلفه. كما أنه الأكثر قدرة على تحقيق انتصار قومي والمحافظة عليه في نفس الوقت. على ذلك الأساس ليست الحلقة المركزية شيئاً أو منطقة ثابتة على ضوء شروط محددة بشرية واقتصادية وجغرافية.. بل هي شيء متحرك في هذا العصر خاصة.. إذ تتدخل فيه شروط صراع سياسية متحركة بدورها قد تتحول منطقة ليست ذات أهمية أولى إلى منطقة الحلقة المركزية. لكن على ضوء المعطيات القائمة أعتقد أن الحلقة المركزية للنضال القومي الكردي في المدى الاستراتيجي هي كردستان تركيا على الرغم من تعقيداتها السياسية, وشدة الغضب الطوراني التركي القومي, وعلى الرغم من السبق التاريخي في اشتعال بؤر للنهوض القومي الكردي في كل من إيران والعراق بشكل خاص، ذلك النضال القومي المديد الذي قاده البرزاني وتحقق في إثره ما يشبه الانتصار باتفاق الحكم الذاتي … وظهور الأمر كأن كردستان العراق تنافس كردستان تركيا على مسألة الحلقة المركزية… لكن لماذا تركيا حلقة مركزية؟.
بدون شك ستبقى العوامل الذاتية الداخلية , المعطاة فعلياً أو الكامنة أساسية في مسألة الحلقة المركزية, أو بمعنى آخر توفر الحد الأدنى من الشروط الذاتية… البشرية والجغرافية والاقتصادية بالإضافة إلى مستوى من الوعي القومي المتطور القادر على الدفع والتوليد, بذلك المعنى وبحكم الأهمية البشرية للتجمع السكاني الكردي في كردستان تركيا، كذلك بحكم اتساع الجغرافيا الكردستانية هناك… تنوعها، تعقيداتها، قدرتها على حماية أشكال نضال متنوعة, وانفتاحها على اكثر من دولة محيطة بتركيا.. بينهما علاقات متناقضة تاريخية قديمة أو معاصرة …. لهذا تعتبر الشروط الكردية الذاتية داخل تركيا هي الأكثر أهمية وحسماً .
الوعي القومي الكردي في تركيا وعلى الرغم من الصعوبات والقمع والقهر الذي واجهه طويلاً . محاولات السلطات التركية تشويهه وخلق تناقضات داخله.. مصادمته ببعض, بتجنيد واستخدام وحدات كردية هذه على مدى طويل(ما أسمى بالجحوش) .. إلا أن ذلك الوعي يعتبر الأكثر معاصرة ورقياً , لأنه تأسس بصفته الأثر بعداً عن حالة العصبيات الكردية المتخلفة, اعتقد أنه أكثر رقياً من ذلك الوعي الذي نهض وتشكل في كردستان العراق الذي يمكن إبداء الكثير من الملاحظات عليه بحكم انتماء قياداته التاريخية الأولى وقوة تأثيرها(الزعيم مصطفى) واستخدامها لوسائل تحريض متخلفة ونفوذها العشائري في المحافظة على نفوذها السياسي ليتحول إلى ما يشبه نمط الإقطاع السياسي على الرغم من أهمية الكبيرة جداً وتطابقه مع الشروط المحلية في حينه..كذلك على الرغم من تطوره في المراحل الأخيرة بالمعنى الذاتي.. أو تطعيمه بقوى أخرى مثل ( الاتحاد الوطني الكردستاني).
تركيا بالذات عبارة عن دولة وجدت في الحقبة المعاصرة من الحركة… تحولت من إمبراطورية عثمانية مترامية الأطراف إلى بلد ودولة كبيرة لها قصص كثيرة عالقة مع جيرانه. أي وجد (على الجمر) .. على حدود التناقضات المفتوحة بالمعنى الداخلي.. كذلك بالمعنى الخارجي بينها وبين جيرانها.
إن قصة الأتاتوركية والعلمانية وجدت أساساً بصورة قسرية ( بالقوة العسكرية) وضبط شروط الحد الأدنى الممكنة… ثم انفتحت القصة على مصاريعها تحديداً في إطار القومية التركية الأكثرية للتراجع عن العلمانية… وعلى الرغم من الشعور القومي التركي العام من جهة العلمانيين والمسلمين يمثل صمام أمان لعد الانفجار بقيادة العسكريين الكماليين وقوة قمعهم.. إلا أن ذلك الصمام انفتحت فيه ثغرات عدة كانت آخرها قبل عامين وكادت أن تساهم مع شروط داخلية أخرى في فتح مجال لحرب أهلية متعددة الأطراف والأهداف .. ليس هذا فحسب , بل قامت تركيا أساساً على عدد كبير من المشاكل الجدية التاريخية… مع سورية(لواء اسكندرون مثلاً)مع العراق مسألة الطموحات في الموصل والعلاقة بالتركمان.مع اليونان مسألة الخلاف على الجزر (قبرص بشكل خاص) والقمع القومي.. والديني القديم, مع أرمينيا والأرمن.المجازر التاريخية والقمع المتعدد الوجوه.. كذلك مع إيران.. كل ذلك يحتاج لعملية ضبط دائمة.. حذرة ودقيقة , مكلفة, ويصبح ذلك صعباً جداً في بعض الشروط كاد أن يصبح في فترة قمة نضالات حزب العمال الكردستاني والنهوض القومي الذي أثاره وتحالفاته مع الدول المحيطة التي قدمت له أشكالاً مختلفة من التسهيلات والدعم مما أثار المخاوف الكبيرة لدى أمريكا وحلف الأطلسي وإسرائيل.. وجعل المؤامرة على النضال القومي الكردي في أقصى طاقاتها لتتراجع موجه النضال القومي بمؤامرة اعتقال عبد الله أوجلان واستمرارها مجذورة في تركيا.. ذلك الوجود التركي والبنية أو التركيبية التركية.. تساعد أكثر في الجعل منها حلقة مركزية للنضال القومي الكردي.
اعتقد أنه من الصعب على تركيا أن تدخل عملية اندماج وطنية متطورة ودائمة أو مستقرة بصورة فعلية بسبب نسيجها القومي ( تركي , كردي , عربي) وأقليات أخرى صغيرة، الديني الطائفي( سني وعلوي) مع مجموعات دينية صغيرة عديدة .. والتناقضات القائمة على ذلك الأساس وعلاقة تلك التناقضات بأطراف خارجية ووجود طموحات قومية جدية… هذا العامل مساعد بدوره للنضال القومي الكردي لتكون تركيا حلقته المركزية. أن الكيفية التي تقترب فيها الحلقات في كردستان من حيث الأهمية. على الرغم من ضرورة الحذر في تثبيت الشروط… وجود إمكانية لتبادل المواقع بين دور تركيا … وشمال العراق.. كذلك إمكانية تقدم دور المنطقة الكردية في إيران .. مع ذلك في المدى الاستراتيجي وباعتقادي يمكن إبداء الملاحظات التالية على عملية ترتيب أهمية الحلقات الأخرى شمال العراق مع ضرورة الملاحظة أن هناك إمكانية جدية لينقلب ويصبح الحلقة المركزية في النضال بسبب الشروط السياسية العالمية واحتمال وقوع تغيرات واسعة وعميقة في المنطقة. . دون أن يعني الأمر بالضرورة انفصاله على هيئة دولة مستقلة إذ لا يوجد أي طرف كردي ( تقريباً ) مع ذلك الانفصال بصريح العبارة كما أن العالم برمته ضد ذلك.. خاصة أمريكا وأعلنت ذلك بوضوح شديد.. لكن هناك إمكانية في استمراره باستمرار الشروط التي أوجدته بالإضافة للإمكانات التي يحملها على التأثير والتطور على الرغم من كل العوامل التناقضية الداخلية النبذية والصراعات القائمة بين الأطراف القيادية.
ثم يأتي الوضع الكردي في إيران بالترتيب الثاني على الرغم من السعي السلطوي الإيراني في تبريد المنطقة بتقديم العديد من الحقوق القومية الثقافية … واستخدام الدين صمام أمان إضافي .
وفي الترتيب الأخير تأتي الوضعية الكردية في سورية.. إذ أعتقد أنه لا يتوفر فيها إي حد في المدى المنظور لتتبادل مع غيرها من مناطق كردستان أي دور مختلف في الترتيب , بالمعنى الذاتي، الشروط الذاتية فإن الحالة الكردية في سورية تفتقد الشرط المناسب لتصبح حلقة نضال قومي مركزية.. أو لتغير ترتبها… أقول هذا على الرغم من تطور مستوى الوعي القومي الكردي فيها.. التعليمي والثقافي .. ثم الحزبي السياسي مع ذلك بقي التجمع الكردي في سورية على طول الخط وبصوره أساسية خزاناً بشرياً … يغذي البؤر المشتعلة قومياً إن كان في العراق تاريخياً أو تركيا المعاصرة.. وهذا الأمر لا يعيب الوضع الكردي السوري بشيء من وجهة نظري خاصة إن جاء طبيعياً في إطار تحرك مستقل, غير مدفوع خارجياً لتوجيه وحرفه أو إبعاده عن بعض مهماته الوطنية والديمقراطية في سوريا.. كما عن خصوصية القومية فيها.. وبطبيعة الأمر لا أرى تناقضاً بين المسألتين ففي الوقت الذي يجب فيه ويمكن دعم النضال القومي الكردي في أي مكان ينهض فيه على شكل موجه. فإنه يجب ويمكن الاهتمام بالنضال الوطني الديمقراطي وما يستدعيه من خصوصية كردية في كل ساحة. وينطبق هذا على كل ساحة وعلى الوضع الكردي في سورية.
أهم دروس النضال القومي الكردي:
في وجوهه السلبية يمكن أن نذكر المسائل التالية:
كان عموماً نضالاً على موجات من منطقة إلى أخرى ينطلق وينهض فيها , وعلى الرغم من التأثير القومي الشامل لكل موجة بصورة تضعف أو تشتد … إلا أن ذلك أخضعه للشد والإرخاء كما هي القضية الكردية شد والارتخاء بين دول المنطقة وبعض الدول العالمية. أي أنه. لم يتمكن من الانطلاق في أكثر من ساحة دفعة واحدة وبصورة منسقة.. مما ساعد في تسهيل عملية إحباطه خاصة وأن الشروط السياسية المحيطة لم تستمر بصورة ثابتة على درجة مع التوافق مع اتجاهه..
كان دائماً .. أو وصل بسرعة إلى حدود التناقض على بعضه داخلياً، دخل في صراعات ذاتية.. أضعفته وأسهمت في إجهاضه، كانت المصالح الضيقة حاكمة على العموم .. كانت الفرصة الأكثر أهمية في تاريخ النضال الكردي حتى الآن فرصة النهوض القومي في تركيا بقيادة( ب،ك،ك) و وجود شمال العراق في أيدي البارتي والاتحاد.. مع ذلك ضيقت الفرصة وضاعت بحكم التناقضات والصراعات الداخلية والخضوع للتكتيكات الآنية وعمليات الشد والإرخاء بين دولة المنطقة.
ارتبطت بعض تجارب العمل القومي الكردي خاصة الأولى منه.. التأسيسية, القديمة . ارتبطت بالعصبيات المتخلفة من زاوية تركيب القيادة, وفكرها المستخدم في عمليات التعبئة والتجييش والعمل الحزبي لاحقاً , وعلى الرغم من ضرورة القول أن الشروط الذاتية وقتها لم تكن تتحمل نضالاً مختلفاً أكثر رقياً , أي كان نضالاً موضوعياً بحدود الممكن.. إلا أن آثاره السلبية بقيت لاحقاً وطالت العديد من الظواهر السياسية الكردية ولا تزال حتى الآن.
تذبذب الوعي القيادي وضعف قدرته على الربط الصحيح أو الحسم الصحيح في اختيار المهمات بين تلك القومية المركزية .. ومهمات النضال الوطني الديمقراطي في كل ساحة … جرت انتقالات حدية بين المهمات.. وجرت اختيارات خاطئة أحياناً على سبيل المثال كانت هناك لحظات وشروط داخل العراق تؤكد أن الأكثر أهمية فيها هو الحسم مع النظام أكثر من تحقيق انتصار قومي ضيق وغير مأمون , أي أن إمكانية استمراره وتطوره صعبه.
بل دخلت القيادات أكثر من مرة في تناقضات وصراعات مع الحركة الوطنية المحلية أو على الأقل تابعت نضالها وبرنامجها بصورة غير متوافقة مع أولوياتها ومهماتها, يمكن أن نتذكر الآن الموقف الخصوصي أو العدائي والاتهامي .. بل موقف الإلغاء الذي قام به حزب العمال الكردستاني في سوريا للقوى الوطنية الكردية ولقسم من المعارضة الأخرى على أرضية حاجاته التكتيكية ومنطق عمله الحزبي القمعي والإلغائي, فيما يمكن يجب الدمج الصحيح في المهمات.. ليست هناك تناقضات في ذلك.. أو على الأقل هناك مكانية للدمج ولو وجدت تناقضات فليس بالضرورة أن يدفع بها بصورة جدية وبوسائل غير ديمقراطية .
إن قفزات الوعي النظري والسياسي التي حصلت في إطار القيادات لم تكن متوافقة دائماَ مع الضرورات الموضوعية… ولم تكن منطقية طبيعية دائماً .. بل خضعت للتكتيكات السريعة المسلوقة, خضعت للمصالح الضيقة , خضعت للاعتقاد أنها مفيدة أساسا أو فقط للنضال القومي الكردي. إن قفزة الهجرة من اليسار الماركسي للاعتقاد أنه لم يكن ديمقراطياً وأن فكره ليس ديمقراطياً إلى المواقف والفكر الليبرالي للاعتقاد بحالة العكس أو لأنها تمثل موجه الوعي المعاصرة والأكثر فائدة للأكراد خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وقيام الدور الأمريكي العالمي والحمائي بشكل خاص لشمال العراق.. كل ذلك يدل على وعي متطور بصورة منطقية.. إذ ليس هناك تناقض أبداً بين أن تكون ماركسياً عصرياً مراجعاً مجدداً وديمقراطياً .. إنما ليس بالمفهوم الرأسمالي بل بالمفهوم الأخلاقي الأكثر عصرية .. وغير المرتبط بمصالح الرأسمالية أو نمطها الإنتاجي إنما بصفته قيمة فكرية وسياسية وأخلاقية بحد ذاته… إذ ليس اليساري أو الماركسي أو الاشتراكي قمعياً بالبيئية والطبيعة وأمر الفكر الماركسي تاريخي، تعلق بمرحلة الهجوم الرأسمالي الاقتصادي والسياسي والعسكري على أية إمكانية للانتصار والاشتراكي في أي مكان.. هكذا جاءت المفاهيم دفاعية عن النفس , أما الآن فالأمر برمته قد اختلف.. وهناك فكران ديمقراطيان ووسطان وبيئتان…الأول رأسمالي والآخر معاصر ولا يخضع للمصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية.. أكثر أخلاقية .. تتبناه النخبة الحضارية المتطورة.. كما يجب أن تتبناه القوى الرأسمالية المعاصرة..في الحالة الكردية لم يجر الأمر على هذه الصورة بل قفزت المفاهيم.. وتقومت بدون أساس .. بل جرت عمليات لحاق بالموجات من دون تدقيق للتطورات والتفاعل على العميق معها.
لم تكن قيادات ذلك النضال والوعي على المستوى القومي المطلوب بالمعنى التاريخي.. لم تكن بمستوى تعقيداته, مخاطره.. آفاته.. اصطدمت بعضها ولم تتمكن مرة من خلق قيادة موحدة أو التحالف أو الاتفاق على بعض القضايا التكتيكية أو الاستراتيجية بصورة ثابتة.. حتى أن المؤسسات القومية كانت ضعيفة الوجود دائماً .. حتى تلك التي قامت منها، تراجعت بحكم بعض السمات السلبية للطواقم القيادية.
أما في بعض الوجوه الإيجابية فيمكن ملامسة المسائل التالية:
عموماً لم يكن النضال القومي الكردي متعصباً بصورة عضوية … أي أنه لم يكن رداً فعلياً أو انتقامياً.. بل كان الوجه التسامحي والوطني والإنساني واضحاً مع القوميات الأخرى هذا يؤكد الطابع الإيجابي في بعض سمات الشعب الكردي والأمة الكردية صحيح أن الانتصارات القومية الكردية التي حصلت حتى الآن كانت جزئية،محدودة وضيقة.. أو غير مستقرة مما لا يسمح باختيار التعصب حتى نهايته.. إلا أن الإشارات الأولية توحي،و تدل على محتواه الإيجابي.
ولا لمرة واحدة اقتصر تأثيره على ساحة بعينها بصورة ضيقة ومغلقة.. كانت كل عملية نهوض قومي في أي ساحة بالتغاضي عن أهميتها … تمتد إلى الساحات الأخرى بالتفاعل وتحريك الوعي والنهوض به.. هذا أكد ويؤكد وجود شروط الحدود الدنيا.. بصفتها معممة على كامل كردستان , والكتلة الرئيسة من النخبة والفئات الوسطى البينية التي تعتبر الآن الجسد النضالي القومي ووقوده.. هيكله العظمي ورأسه .
بقي نضالاً متواصلاً حياً .. لم ينقطع على الرغم من شدة التعقيدات التي يواجهها, على الرغم من شدة المؤامرة الدولية قديماً وحديثاً ضده لتحديد آفاقه وجعله يدور على ذاته, ومنعه من تحقيق طموحاته العادلة.. بمعنى آخر بقي الشعب الكردي والأمة الكردية على أتم الاستعداد لدفع الثمن المطلوب من أجل النضال القومي وفرز ذلك الشعب دائماً قيادات جاهزة للتضحية حتى ولو لم تكن دائماً على المستوى المطلوب.
ملاحظات مكثفة على بعض تجارب النضال القومي الكردي:
مع معرفتي بخطورة تناول هذه التجارب الغنية والهامة جداً بصورة مكثفة ومستعجلة إلا أن الشرط يفترض ذلك كما أن لهذه الملاحظات ضرورتها في استكمال البحث والوصول به إلى نهايته المنطقية المتعلقة بالإجابة على السؤال المفتوح ..
القضية الكردية إلى أين ؟
1ـ كردستان العراق:
على الرغم من كل الملابسات التي حصلت حتى تحققت فيها الوضعية القائمة في شمال العراق.. ملابسات الخليج الثانية، إلا أنه يمكن النظر إلى الأمر من بعض وجوهه على الشكل التالي:
لقد دفع ثمن باهظ جداً في سياق النضال القومي الكردي في العراق, حتى تحقق ذلك الانتصار الشهير والمهم( اتفاق الحكم الذاتي) .. وتأتي أهميته من كونه مثل حالة قانونية رسمية عربياً ودولياً … مثل حالة اعتراف بوضع يمكن النسج عليه أو القياسي وتطويره أوجعله نقطة استناد في النضال الكردي,تجب حمايته وتطويره على صعيد العلاقة بين القوى القيادية , بينها وبين الشعب لكنه يهدد بالعديد من الشروط الداخلية الذاتية والخارجية.. سبق وأخذنا منها بعض الاستنتاجات المجردة والعمومية ذات الطابع السلبي في إطار دروس العمل القومي الكردي من الصعب التصديق أن الوضع هناك يمثل حالة مستقلة فعلياً وبصورة جدية فذلك لم يتحقق في إطار النضال الديمقراطي الوطني العراقي… لم يتحقق في إطار نظام ديمقراطي عراقي يحميه… بل جاء في إطار فراغ سلطوي شمال وجنوب العراق وحماية خارجية من أطراف ليست حريصة بل صرحت بجرأة أنها ضد أي وضع كردي مستقل في أي موقع من كردستان.. بذلك تستجيب تلك الأطراف لما تريده تركيا أساساً لا إلى ما يريده الشعب الكردي .. حتى ولو لم يعبر حتى الآن وقياداته بجملتها عن أي رغبة في الانفصال… كان الحد الأقصى للمطالبة عند البعض هو الفيدرالية … هكذا فشمال العراق واقع بين فكي كماشة النظام الديكتاتوري الفاشي. وخطط الولايات المتحدة بجعله نقطة انطلاقة.. مخلباً متقدماً أو غرفة عمليات.. من أجل تحويل المنطقة وضبطها بحسب أولويات مصالحها هي وحليفتيها الرئيستين إسرائيل وتركيا.. ثم بقية الرهط العربي النظامي الرسمي المتحالف مع أمريكا.. إذ ليس موضوع الاستقلال الديمقراطي الفعلي لشمال العراق المفتوح على التفاعل مع النضال القومي المركزي الكردي أو في إطار وحدة العراق.. أي ليست الديمقراطية الفعلية بحد ذاتها هي هدف الحماية الأمريكية والدولية.
كذلك من الصعب اعتبار الوضع في شمال العراق يمثل تجربة ديمقراطية جدية وراقية بحكم التناقضات ومستوى الصراعات التي دخلتها بين بعضها القوتان الرئيستان هناك (البارتي والاتحاد) يجب التنبه إلى ذلك وكشفه بصوت عالٍ على الرغم من أن شمال العراق يمثل المحطة الأكثر تميزاً وراحة وديمقراطية في كردستان .. مع ذلك الوضع مهدد داخلياً بسبب صراعات القيادة وعجزها عن أن تتحول إلى قيادة استراتيجية موحدة لتواجه الشروط القادمة واحتمالات المستقبل.
يجب اعتبار الأهداف الرئيسية للوضع في شمال العراق في ظل الشروط الثقافية والخطط الدولية المطروحة .. أولاً حماية الشعب الكردي من أجل احتمالات للقمع السلطوي الوحشي, وثانياً النضال من أجل وحدة العراق ومنع تقسيمه فذلك خطر محتمل مهما بدت الولايات المتحدة حريصة على عدم تحققه خوفاً من محور سياسي شيعي إيراني عراقي يحتمل تحريض منطقة شرق السعودية بخط واحد إلى لبنان عبر تحالف سياسي مع سورية…
إن سلوك القيادات الكردية في شمال العراق سيترك آثاراً عميقة للمستقبل بين الشعب الكردي والعربي.. ستكون الأخطاء قاتلة هذه المرة ..فأمريكا تقود العالم تحت عنوان(معنا أو ضدنا) , ومكافحة الإرهاب .. تريد جر العالم خلفها دون أي ممانعة.. إن السير لتحقيق بعض أهداف الشعب الكردي والشعب العراقي بين حدود النظام العراقي الفاشي وحدود الأهداف الأمريكية والإسرائيلية والتركية.هو شيء معقد وصعب محفوف بمخاطر كثيرة ويتطلب قيادة من طراز خاص.. أخشى ألا يكون الوضع في شمال العراق جاهزاً لتجاوز شروط الصراع المحتملة في المدى المنظور لصالح طموحات الشعب الكردي والنضال الديمقراطي الوطني في العراق, اللعبة تجري بين كبار أقوياء يحاولون جعل شمال العراق مخلب نمر متقدم.. أخشى أن يجري كل شيء والطرف الكردي هو الأكثر ضعفاً، أو بدون تنسيق فعال من منطلق مصالحه القومية والوطنية العراقية كما يخشى من انزلا قات لبعض الأطراف القيادية إلى التعاون مع الأطراف الخارجية المتآمرة.. ذلك بحجج الواقعية والخوف من احتمالات تعرض الشعب الكردي لقمع وحشي جديد … أو الضعف .. أو الوعود الخلابة.. إنما الكاذبة.
إن الصراعات الداخلية في كردستان العراق فرضت على القوتين الرئيسيتين المتصارعتين الدخول في علاقات تحالفيه تكتيكية غير مبدئية … تمثل بمجموعها عاملاً إضافياً مساعداً في تهميش دور الشمال ودور قيادته… بينما على العكس من ذلك إذ لو استطاعت القيادات تجاوز خلافاتها والعودة إلى نظام حكم موحد وتعبئة الشعب الكردي.. لاستطاعت تحسين شروطها في المفاوضات الجارية وأمريكا تحاول تنفيذ مخططاتها.. تستطيع تحسين شروطها في النضال لتحقيق أهدافها الكردية الخاصة،و كذلك العراقية… ومثل ذلك سيسمح أكثر فأكثر في المستقبل بتطوير الحكم الذاتي وتحصينه وديمومته في إطار ديمقراطي .
2ـ تركيا (حزب العمال الكردستاني):
لأول مرة في تاريخ تركيا المعاصر يتمكن النضال القومي الكردي من الاستمرار على مدى يقارب عشرين عاماً وهو ناهض في تجربة غنية جداً هي الأخرى.. وربما كانت التجربة الأكثر اقتراباً من النضال القومي غير المشوش بالعصبيات المتخلفة , كانت تجربة بقيادة واحدة من دون انقسامات وصراعات داخلية فعالة… كانت على درجة عالية من الغنى السياسي والقدرة على التعبئة والتأثير الكبير في وسط الشعب الكردي … التأثير على حياته بكاملها حيث وجد الحزب… كما وضعت هذه التجربة النضال القومي الكردي هذه المرة من داخل ساحة هامة (تركيا) وضعته في إطار عالمي وأعطته أهمية خاصة مما شدد بالتالي من حجم وحدة التآمر العالمي عليه. ليس هذا فحسب .. بل ربما فتحت سياقات جديدة للنضال الكردي داخل تركيا مختلفة عن أي مرحلة أخرى لكن هذه التجربة الغنية والفعالة حقاً عرفت العديد من الوجوه السلبية.. كان أهمها.
درجة من الافتراق ليست بسيطة في طابع المهمات بين كامل المجتمع الوطني التركي والمهمات التي يصورها حزب العمال الكردستاني بحيث بدت مهماته وكأنها على درجة ملحوظة من عدم الواقعية…مثلت قفزة في الصراع اتسم النمط القيادي الحزبي بمركزية شديدة , بدت مفيدة ظاهرياً وعلى مدى زمني قادر على الإيهام, أنها تمثل الوجه المعاكس للانقسامات.
الصراعات الذاتية وضعت وحدة القرار والعمل… لكن ذلك النمط لم يتمكن من أن يكون ديمقراطياً, بل كان نرجسياً متعاليا وقمعياً بعلاقته مع القوى السياسية داخل تركيا وداخل سوريا حتى شمال العراق, كما كان غطاءً قمعياً داخل الإطار الحزبي بذاته .. اعتمد الحالة" الديكتاتورية" الفردية ـ اعتمد شكلاًٍ ستالينياً متخلفاً في قيادة الحزب في مثل هذا العصر .. كثيرون اعتبروا " الكاريزما" الشخصية للقائد الوحيد في الحزب مفيدة في تعبئة شعب مشرقي ذي طبيعة نفسية وعاطفية خاصة .. وذي تربية أبوية.. لكن ذلك أدى إلى بروز مرض"العظمة الشخصية" كي لا تقول (جنون العظمة) , أدى إلى بروز التعالي الفردي والإدارة القمعية مع ثقة هائلة بالنفس وضعف ثقة أو غيابها تجاه الآخرين, فغابت ترتيبات الطواقم القيادية الجماعية.. هكذا حدثت فراغات وفجوات شبه قائلة بغياب القائد على حين فجأة… وحتى بعد اعتقال القائد أجرى عمليات مراجعة شاملة وعميقة على أفكاره وسياساته ليكون في كل مرة مصيباً وقائداً ويفكر بصورة صحيحة بالنيابة عن الجميع .. هكذا غاب النقد الجريء داخل التجربة على الرغم من حدود التغير المذهل الذي وصل حدود الانقلابات المفاجئة في الجوانب الفكرية والسياسية الاستراتيجية والتحالفات … خاصة وسائل النضال المتبعة.
إن حزب العمال الكردستاني لم يتمكن أيضاً من أن يتجاوز كثيرا تاريخ الحركة القومية الكردية في مسألة التحالفات . ففي بعض وجوه تحالفاته خضع للتكتيكات المتعلقة بوهم تحقيق انتصار سريع واستراتيجي يمس جوهر القضية القومية … ذلك الوهم وتضخيم المهمة كما تقدم تأثير وفعالية الحزب وجملة النضال القومي الكردي.. دفعه إلى تكتيكات واسعة نفعية أكثر مما هي مبدئية وكاد أن يتحول في لحظات أخرى إلى أداة في يد أطراف سلطوية خارجية ليست بالمعنى المباشر القائم على أساس نظرية المؤامرة إنما من منطلق المصالح المتبادلة, إن النظام في سورية عرف جيداً قيمة ومستقبل ودور حزب العمال الكردستاني في النضال القومي الكردي في تركيا.. وعلى أرضية تناقضات البلدين الجادة والعميقة منها التاريخي ومنها الراهن عن(قومية وجغرافية ومائية) على تلك الأرضية .. فتحت مجالات هائلة للحزب, لكن نمط العلاقة التحالفية تحت ضغط شدة التآمر الدولي على حزب العمال, ودخول التحالف الأمريكي التركي الإسرائيلي على الخط واستعداه لفعل أي شيء حتى تجاه سورية كل ذلك كشف طبيعة التحالفات غير المبدئية ودفع النظام السوري لإجراء حسابات " مقوية" مما أدى إلى أن تساهم بالإسراع بإلقاء القبض على قائد الحزب والمصير اللاحق المعروف..
ملاحظات على الحالة الكردية في سورية:
إن وضع الأكراد في سورية لا يمثل وضعاً مفتعلاً وعابراً , بل هو وضعية أصلية من حيث الأساس على الرغم من اللعب التاريخي الرأسمالي وبعض الهجرات ولكنها ليست جوهر الأمر. ويمثلون القومية الثانية في الوطن السوري تتجاوز نسبة وجودهم العشرة في المائة. وإذا أخذنا التركيبية الوطنية المجتمعية السورية بطابعها المتنوع والغني بعين الاعتبار يصبح للأكراد أهمية إضافية. وإن أي سياق أو حلول في المسار الديمقراطي الوطني لا يأخذ طبيعتهم وتميزهم و مصالحهم وطموحاتهم القومية بعين الاعتبار في إطار الشرط السوري وشروط الصراع في المنطقة .. لن يكون سياقاً أو حلاً ديمقراطياً فعلياً بل سيخلق إشكالات كبيرة للوطن.. والتجارب المحيطة بنا(تركيا والعراق) يجب أن تعلمنا جيداً .
لقد وقع ويقع على أكراد سوريا الكثير من الظلم القومي , والغبن الاجتماعي.. عدة مئات ألوف منهم يعيشون بوضعية" الأجنبي" المهاجر المطرود..وليس السائح:المدلل" مع أنهم ولدوا مع آبائهم في سورية وعاشوا فيها.. والكثير من تفاصيل الاضطهاد القومي تتراكم بدءاً من موضوع اللغة خاصة على صعيد الكتابة والنشر والتعليم إلى الفنون والعادات والتقاليد واسماء المناطق والقرى, إلى رفض أي صيغة تمثيل حزبي أو غيره.. مهما صغرت , حتى التمثيل في مجلس الشعب يؤخذ فعلياً لإرضائهم.. لكنه شكلياً ورسمياً يجب أن يتوافق مع صيغة القمع القومي.. بعد التمثيل.. والصيغ مخفية سلطوية وقومية لا علاقة للأكراد كشعب بها ولا لأحزابه بل تتبع فيها كل وسائل إبعاد الشعب عن خياراته مهما بدت وطنية وفي صالح وحدة المجتمع والوطن السوري في الواقع السياسي الحزبي الكردي في سوريا… (التجربة السياسية الحزبية) يمكن إبداء بعض الملاحظات المكثفة التالية مع التأكيد، أولا إن الحركة باتجاهها العام غدت أكثر جرأة من أي مرحلة ماضية فيما يتعلق بالموقف من طبيعة النظام وقضايا الديمقراطية. كذلك بالعلاقة مع القوى الديمقراطية المعارضة. أو التعبير والمطالبة بطموحاتها القومية وحاجاتها السياسية والثقافية داخل سورية.. يجب قول ذلك على الرغم من السلبيات المتعددة وأهمها:
1ـ مستوى شنيع من الانقسامات الحزبية بدون مبررات فعلية على صعيد البرنامج السياسي, كأهداف أو كوسائل مستخدمة… مما يسمح بالقول أن التوالد الدائم للانقسامات…..
سلسلة الانقسامات غير المنتهية قد جاءت على أرضية التناقضات الشخصية, طموحات الزعامات الصغيرة, الغيرة والتنافس والأفق الضيق أو المصالح الضيقة… إن كل ما قرأته حول الحركة الحزبية الكردية حديثاً ( بعد إطلاق سراحي في السنتين الماضيتين) يسمح لي وبثقة القول أن جملة الحركة يمكن أن تعبر عن نفسها الآن بحزبين كحد أقصى, واحد لليسار الماركسي ـ الديمقراطي أو الاشتراكي المعاصر.. وآخر للديمقراطيين الليبراليين.. باعتبار الجميع قوميين أيضاً.. إن تلك الانقسامات لم تفعل ولن تفعل إلا إضعاف مستوى النشاط الوطني العام والكردي بوجه خاص.
2ـ حدثت انقلابات مفاجئة في المستوى الفكري والسياسي (الاستراتيجي) بدون مراجعات جدية وعميقة لدى العديد من الأطراف الحزبية. بدت تلك الانقلابات وكأنها لحاق(بالموضة). بدت كأنها بحث عن صيغ نفعية ضيقة لم تمثل وعياً عضوياً ناضجاً للتطورات, كانت انقلاباً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وذلك باسم الحديث الجديد, كل شيء قد تغير, الموجات الجديدة الشاملة.. وهذا هو معنى الموضة ومعنى الصيغ النفعية الضيقة.إن تلك الانقلابات تركت وراءها فجوات فكرية كبيرة باسم التحرر الإيديولوجي والفضفضة الأيديولوجية… والفضفضة الأيديولوجية… ليس هذا فحسب.. بل أدت إلى بعض النفاق الأيديولوجي وعدم التصريح الفعلي عن الانتماءات الفكرية.. وكان هذا طبيعياً بعد إيجاد ذلك التناقض المفتعل بين ( الماركسية واليسار والاشتراكية) وبين إمكانية المراجعة والتحول إلى الوعي الديمقراطي الحضاري والأخلاقي.. لا الوعي الديمقراطي الرأسمالي.. إمكانية الجمع بين القناعة والوعي بأن الديمقراطية يجب أن تكون بحد ذاته ولا علاقة لها بالمحتوى الاقتصادي الاجتماعي ـ بمعنى آخر بديهية أن تكون الآن ماركسياً عصرياً وديمقراطيا بالمعنى الفعلي.. بل يتجاوز الديمقراطية الرأسمالية المرتبطة بمحتوى السوق ومفاهيم السوق ومصالحه.
أولاً: بسبب القمع التاريخي القومي المتواصل من قبل النظام والقومية الأكثرية…
وثانياُ: بسبب موقف القوى الوطنية الديمقراطية العربية غير الناضج ,النصفي ,الذي أدخل المسالة في حساباته على ضوء الخسارة والربح الأمني والسياسي واستمرار مظاهر التعصب في وعيه بصورة أو بأخرى..
وثالثاً: بسبب رد فعل خاطئ من قبل القوى الكردية المسيسة… بسبب من كل ذلك يبدو نشاط الحركة السياسية الكردية مشوشاً الآن, غير واضح على أنه يهتم أساساً بالمهام المركزية لكامل النشاط الوطني السوري … بل يبدو وكأنه بمثابة رد الفعل ومهتم أولاً وعلى طول الخط( هكذا يعطي في الانطباعات الأولى) يساعد في ذلك شكل ومحتوى النبرة.. يبدو مهتماً بموضوعه الكردي.. مما يوحي برد فعل متعصب.. مما يوحي وكأنه ليس لديه سوى لحن واحد هو اللحن الكردي. بالنسبة لي وبعيداً عن الانطباعات الأولى أراه رد فعل طبيعي يمكن تفسيره, لكن لا يجوز تبريره.. هو خاطئ بجانب منه.. كما يجب العمل الجدي حتى على إلغاء الانطباعات التي ليست بمجموعها صحيحة .. يحتاج لتصويب من خلال صيغ برنامجيه واضحة تحسم كل التباس أو تشويش بوجود تنافر في المهمات المركزية بعدها سيبدو أي نشاط حتى ولو اختلفت النبرة ولوا اختلفت النبرة.. سيبدو طبيعياً أكثر ولا يثير الشكوك أو الاتهامات.
4ـ من الضروري والهام جداً بالنسبة للحركة السياسية الكردية أن تبحث عن صيغ عمل جماعية تستهدف أساساً تأكيداً الطابع التمثيلي لها.. كما العلني والشرعي الرسمي وغير الرسمي إن أمكن لإعطاء الحركة الكردية طابعها أساساً .. سمتها, كل الأشكال ممكنة على هذا الصعيد بما فيها الإلحاح والعمل الجاد للحوار مع السلطة.. والإلحاح على بعض المطالب. يمكن القيام بذلك دون خوف .. فهامش الأمان معروف والفرق محدد بين العمل الانتهازي القومي والعمل الإصلاحي المستغل لصالح الحالة الكردية.
5 ـ اعتقد أن الوضع الكردي في سوريا يمثل الحلقات الأقل أهمية وتأثيراً في مجمل النضال القومي الكردي من زاوية الأهمية الاستراتيجية, وهو وضع منفعل على العموم. فعالية الرئيسية كمنت وتكمن الآن في المستقبل في المستوى النظري والثقافي والدعاية السياسية وليس هذا شيئاً قليلاً أو بسيطاً أبداً .. بل تبدو أهميته كبيرة جداً بعد جملة الهزات والتراجعات في سوية النضال القومي الكردي وبعد التغيرات العالمية وضرورة إجراء مراجعات نظرية وسياسية شاملة وعميقة في كل شيء هذا يفترض عملاً سياسياً حزبياً على مستوى أعلى بكثير من التنسيق والتفاعل داخل الوسط الكردي كما بينه وبين الوسط العربي. خاصة وأن الوضع الانفعالي للحالة الكردية في سورية سيستمر في تقديم الجسد النضالي حيثما انطلق النضال القومي الكردي واشتعل في أي منطقة أو بؤرة … هذا يفترض تركيز النشاطات والنضال كي لا يتكرر الماضي القريب في تجربة حزب العمل الكردستاني ودوره في الوسط الكردي السوري.. حيث سحق كامل التجربة الحزبية( وبالطبع لم يكن ليستطيع ذلك لو شروطها الذاتية من الضعف والتفتت وعدم المواكبة لطموحات شعبها..الخ) أبعدها عن جمهورها ووسطها… كما خلق شيئاً كبيراً من الانحراف والانزياح في مهمات الأقلية الكردية في سورية… كل ذلك في إطار شروط غير مناسبة.. في إطار تجربة على الرغم من أهميتها وضرورة احترامها بقوة.. إلا أنها عرفت العديد من الأخطاء والسلبيات التي ذكرنا بعضها وهي الآن في موقع المراجعة للماضي..
القضية الكردية إلى أين:
على الرغم من كل الصعوبات والتعقيدات المحيطة بالقضية.. والتشابك الذي خلقه تمزيق ..وتقسيم كردستان بين أربع دول… على الرغم من شدة التآمر الدولي لحماية وتثبيت الوضع القائم في المدى المنظور, إلا أن مستوى الظلم القومي الهائل الواقع على الشعب والأمة الكردية, وعدالة هذه القضية.. يجعلان من شبه المستحيل التصالح عليها لقتلها أو جعلها تموت.. لا بد أن تشملها دورة النضال القومي حتماً .. بدءاً من تحرير الأرض وانتهاء بوحدتها على شكل أمة ـ دولة. وهي بذلك تشبه كثيراً جداً حالة المسالة القومية العربية.. إنهما قضيتان ومسألتان موضوعتان على جدول أعمال شعبهما.. كما على جدول أعمال العالم والعصر.. والشعوب المتفهمة وقواها السياسية الأكثر إنسانية وديمقراطية وأخلاقية ومما يجعلني أضع الأمر في سياقه التاريخي المتفائل هو سلسلة الموجات النضالية للشعب الكردي والثمن المستعد لدفعه. سلسلة قد تنوع وتختلف وسائل نضالها لكنها لن تتوقف وهذا ما يفعله الشعب الفلسطيني الآن بالنيابة عن الشعب العربي تساعده مظاهر موجة نهوض قومي أولية وخفيفة لا تزال تحت الحد الأدنى المطلوب بسبب تعرضها للقمع السلطوي العربي في كل مكان… إنهما القضيتان الرئيستان المتبقيتان على جدول أعمال النضال القومي… مسارهما معقد وطويل ومكلف .. لكنه بدأ وقضية وراءها شعب مستعد للدفاع عنها، الموت والولادة من جديد لأجلها لن تموت إن كانت القضية الفلسطينية وبقية جوانب القضية القومية العربية … أو القضية الكردية.
—————————————————-

 

* الأستاذ فاتح محمد جاموس: من أبرز مؤسسي حزب العمل الشيوعي في سوريا،اعتقل في السجون السورية ثمانية عشر عاماً 1982_ 2000 كما تعرض إلى محاكمة في مدينة حلب قبل ما يقارب العامين .

 

 

 

 

 

" مجلة الحوار"، العدد 37 ، خريف2002

اترك رد