الإعتقالات المستمرة

د. فاضل فضة

 

صفحات سورية

 

تراكم الغبار كثيراً على عتبات البيوت والأرصفة، وسادت الفوضى والفقر في كل مكان. في حكاية لا يصدقها اهلها، انهم في غيابهم الطويل، وصمتهم في غروب الحياة، ولا مبالاتهم بكل مايحدث، تستمر سحابات العتمة والظلم وقضبان الحديد والنار في اغتصابها لمعنى المواطنة والإنسان السوري، في تلوث غاب من ذاكرة الكون والحياة، لنظام مازالت يدّعي أنه يملك ويمارس فعل الحضارة مع شعبه امام العالم بكل قباحة.

 

البارحة اعتقال واليوم اعتقالات، وكأنه يمنع على اي مواطن سوري في ظل دائرة المساحات الصغيرة جدّاً ان يقول اي كلمة. وكأنه في ادعاءات إفراغ السجون من المعتقلين، اصبح النظام يخاف من ظله، فلم يعد يعتقل فقط من هم في الطرف الأبعد منه، بل الذين يتحدثون ويتحاورون في أبسط الأمور وبشكل مسالم جدّاً.

 

اعتقل فاتح جاموس الذي تحدث عبر الأنترنيت إلى مجموعة من الشباب السوري، المعارض والمستقل وغير السياسي، في مونتريال، عن المخاطر المستقبلية التي تحيط بالوطن، والتي بالتقدير قد تجاوزت النظام كله، لتصبح الأخطار القادمة، مسألة وطنية تخص الشعب السوري كله، في الداخل والخارج. كما تحدث عن حاجة الشعب والمعارضة السورية إلى دعم بكل الإمكانات لنضال داخلي مازال مكمم الأفواه تحاصره قضبان السجون الرمادية التي لم تفرغ يوماً من ساكنيها منذ ان وطأ النظام الشمولي عتبة الحكم وإلى اليوم. واعتقل ميشيل كيلو الذي ذكر احد النشطاء السوريين عنه، ان التهمة الوحيدة التي من الممكن ان توجه إليه هي حب هذا الوطن السوري. كما تم اعتقال نضال درويش، وأل العبد الله، ومعظم الموقعين على إعلان دمشق بيروت داخل سورية، كما استدعي بعض الناشطين في جمعيات حقوق الإنسان، ومنظمات المجتمع المدني في سورية.

 

يثبت النظام السوري الحالي، انه غير مبال بكل قوانين الأرض والأمم المتحدة. وكأنه يشعر ان الشهور القادمة قد تكون حرجة، لما قد يظهر تحقيق براميرتس الذي سيقدمه في شهر حزيران المقبل. لذا واجب التحضير بما أمكن، وقفل الباب على كل صوت معارض مهما كانت إنتماءاته، أو كتاباته، او نشاطاته، في اسلوب واحد هو الإتهامات والسجن اللاقانوني، المبنى على سياسة الحذر والخوف من حراك المعارضة السورية وتصاعده في الخارج، وما له من تأثير ودعم ومعنويات لمعارضة الداخل، لرموز نضال سوري اصبحت معروفة جدّاً، والتي بدأت تتجاوز خطوط النظام حمراء كانت ام سوداء.

 

هل يكون الهدف من الإعتقالات المتتالية لإي ناشط سوري اليوم إجهاض شمولي للنشاط السياسي السوري المعارض هل السبب إنشغال الولايات المتحدة وحلفاؤها في بمصاعب المسألة العراقية، وتعقد الملف الإيراني، أم يتوقع النظام ان تكون الأشهر القادمة حامية عبر حقائق، قد يظهرها براميرتس في تحقيقه الدولي، ويضع بها بعض رجاله "او اهمهم" في دائرة الإتهام الظني، مما يعيد عقارب الساعة إلى الوراء حيث عدم الثقة ومواجهة قد تؤدّي إلى إهتزاز لم يوجهه في وجوده كله. أم انه يعمل بمنهجية القرون الوسطى لإفراغ الشارع السياسي السوري من كل الأراء المخالفة لعقيدة الأقوى بإسم "الدولة" بهدف العودة لنظام الأيام الغابرة زمن القطبين. مهما كانت الأسباب في قيام النظام بإعتقالات شمولية، فإن ذلك لن يحل مشكلته مع نفسه ابداً، بسبب تركيبة الفساد المتفشي في كل مؤسساته، وفقدان ثقة الشعب السوري به، الذي لم ولن يصدق ابداً انه سيصلح ماأفسده منذ اكثر من ثلاثة عقود. لقد جرّب الشعب السوري النظام بما يكفي، فهو يعرف اليوم اكثر مما مضى تركيبته الأمنية، وفشله الإقتصادي، وشعارات لا هدف لها إلا تخدير ماتبقى من هم خارج الحقيقة لبقاء هامشي لا أكثر.

 

إنها معادلة تصبُّ في سياق دورة حياة الأنظمة والحكام وتطور ذلك بحجم الإمكانات والبيئة والظروف الدولية،  عندما تحاول مثل هذه الأنظمة التحكم بشعوب غير راغبة بها، إذ لم يعد الماضي والتاريخ حاضراً بعقلية الشعب السوري، إي انه لن يقبل اليوم في عالم الإتصالات والفضائيات، ان يكون  إحدى الحالات الشاذة لإنظمة القمع في العالم، ولن يقبل في المستقبل القريب ان تتحول سورية إلى دولة صحراوية لا بترول بها ولا زرع أو حصاد.

 

في القلوب غصة كبيرة، وفي القلوب اعصاب فولاذية تضغط على ذاتها، لعل الأمر يكون بالسهل. لكنه يبدو ان البعض لن يفهم حقائق التاريخ في اللحظات الحرجة للتحولات الكبيرة، لدولة صغيرة حولها حكامها من دولة غنية بمواردها الإنسانية اولاً، والطبيعية والخبرات ثانياً، إلى دولة لم يعد لها من تاريخها أي بهاء او رونق او حياة.

 

إنهم يحصدون الحرية وما بقي منها في الشوراع الضيقة، لكنهم لن يستطيعوا ان يحرموا الإنسان السوري، ولو كان سجيناً  في الكهوف الرمادية  من الحلم بالحرية، والخيال والأمل بالديموقراطية، وافتراض المستقبل المشرق كل يوم.

تحية إلى مناضلي سورية الشرفاء الباحثين عن غد افضل، مشرق بالحرية والديموقراطية والعدالة.

عاشت سورية حرّة ابية..

اترك رد